هشام جعيط

57

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

مبالغاته في هذا الصدد . ثم بدأ تقتيل الفرس ، واستولى العرب على غنيمة مهمة وحتى على بيت المال الساساني ذاته « 1 » ، وقد ألحت بعض الروايات على سبي النساء ، وروي أن نساء جلولاء كنّ بداية للتمازج العربي الفارسي « 2 » . ويفهم من التأكيد على هذا الحدث بأن الفرس كانوا دائما يعملون على إبعاد نسائهم عن أطماع الغزاة ، ويبدو أن أكثر النساء أبعدن على عجل إلى خانقين التي تم الاستيلاء عليها بعد قليل . ينبغي تسمية مجموع العمليات التي حدثت ما بين معركة المدائن والاستقرار بالكوفة بمرحلة جلولاء وهو اسم الحدث الرئيسي ، وذلك بالنسبة للإطار المتعلق بالغنيمة ، واستحقاقها ، وبخصوص كل امتياز معنوي أو قانوني : هذا ما توحي به النصوص ظاهرا . ماذا كانت هذه العمليات ؟ لنقل بداية إن استيلاء جرير على خانقين ، وسيطرة هاشم على سواد شرقي دجلة هما حدثان لا مجال للشك فيهما « 3 » ، على أن احتلال حلوان وشرقي الجزيرة يطرح مشكلا . إن البلاذري هو الذي يبرز نشوب معركة خانقين « 4 » ، كما أوضح بدقة أكبر من دقة سيف ، دور هاشم في إخضاع شرقي السواد ، وقد كان عملية استيلاء أكثر منه عملية عسكرية . هذا السواد الشرقي كان له الاتساع ذاته وسواد الفرات ، وقد أثر فيه كثيرا الحضور الساساني وذكريات هذا الحضور والإنجازات المعمارية الساسانية ، وهو يضاهي في الثراء الزراعي السواد الآخر . وقد أسر 130 ألفا من فلاحي هذه الجهة ثم أخلي سبيلهم سريعا « 5 » كما سنرى ، وبذلك عاد الفارون إلى قراهم . أما حلوان ، المدينة الفارسية ، مدينة الجبال المشرفة على الفج والتي تمر منها الطريق الكبرى نحو الشرق ، فقد غادرها الملك بعد وقعة جلولاء متوغلا داخل البلاد . فهل استولى عليها القعقاع لكي يقيم فورا ثغرا أي حامية خارج الميدان المفتوح لكنها ساهرة على أمنه ، والثغر عبارة عن امتداد ، وهو بالمعنى الحرفي ثلمة ( ينبغي سدها ) وبمثابة المدينة الحدودية المطلة على العدوّ والمغايرة للمصر أو المدينة - المعسكر ؟ إن سيفا يعلن ذلك « 6 » كما أن المصلحة الاستراتيجية تتطلب مثل هذا الأمر ، ولم ينبس البلاذري بكلمة عن ذلك لكنه

--> ( 1 ) الطبري ، ج 4 ، ص 29 ؛ الدينوري ، ص 129 ؛ فتوح البلدان ، ص 265 ؛ خليفة بن خياط ، ج 1 ، ص 108 . كانت الغنيمة مهمة جدا . ( 2 ) الطبري ، ج 4 ، ص 28 : سبيت أم الشعبي بجلولاء ؛ الدينوري ، ص 129 . ( 3 ) الطبري ، ج 4 ، ص 28 . ( 4 ) فتوح البلدان ، ص 264 - 265 . ( 5 ) الطبري ، ج 4 ، ص 30 . ( 6 ) المرجع نفسه ، ص 28 .